محمد أبو زهرة

1376

زهرة التفاسير

على أموال الظالمين فيهلكها ، ولو اتخذوا الأسباب وما يجب اتخاذه من احتياط لحفظ الأموال ، وإن ذلك التخريج لا يوجد ما يمنع من قبوله ، بل الإذعان له لأن تدبير العبد واحتياطه ، لا يمنع تقدير الرب وقضاءه ، وإن الريح كانت سببا في نصرة النبي صلى اللّه عليه وسلم في غزوة الأحزاب ، فإن اللّه تعالى أرسل على المشركين ريحا ألقت الرعب في قلوبهم مع كمال العدة والعدد ، وقال تعالى في ذلك : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ( 25 ) [ الأحزاب ] . ولقد روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور » « 1 » . وإذا كان ذلك ثابتا فلما ذا نستبعد أن يعاقب بعض الظالمين في الدنيا بإصابة حرثهم بريح ، لفساد نياتهم ، ولاستخدامهم المال في غير مواضعه ، وإن الذين يستبعدون ذلك هم الذين يفرطون في الإيمان بالأسباب العملية ، ولا يذعنون للأحكام القدرية ، وإن الزرع بالذات ليس لأحد أن يدّعى أنه يستطيع حمايته من الرياح والآفات ، مهما يتخذ من الاحتياط ، فإن للأجواء أثرها ، وللآفات الوبائية حكمها ، ولا سبيل إلى التوقي الكامل منها . وإذا كان الزرع وغيره مهما يتخذ من احتياط لحفظه لا يتقى الريح والآفات ، فإنه لا يصح أن يكون ذلك نتيجة للمصادفة ، فإن المصادفة بالنسبة لمداركنا ، أما بالنسبة لأعمال اللّه تعالى فإن كل شئ عنده بمقادير ، ومقصود بإرادته السرمدية ، وهو يكون ثوابا أو عقابا أو إملاء يملى اللّه به للظالمين حتى حين ، كما قال تعالى : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 45 ) [ القلم ] وقد قال تعالى : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ( 12 ) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ ( 13 ) [ الرعد ] .

--> ( 1 ) رواه البخاري : الجمعة - قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : نصرت بالصبا ( 977 ) ، ومسلم : الاستسقاء - في ريح الصبا وريح الدبور ( 900 ) . الصبا : ريح تهب من المشرق . والدبور : ريح تهب من المغرب .